في دولة تنهار فيها مؤسساتها تباعًا، وتُحتضَر فيها العدالة الاجتماعية تحت رماد الانهيار المالي والاقتصادي، تُطلّ فضيحة جديدة من قلب ما يفترض أنه أحد أعمدة الدعم الاجتماعي: مصرف الإسكان.
في آذار 2025، وفي جلسة غاب عنها ممثلو الدولة، أقرّ مجلس إدارة مصرف الإسكان رزمة مالية فاضحة لرئيسه، تشمل:
– 12 ألف دولار شهريًا “فريش” كراتب، محسوبة على 16 شهرًا في السنة،
– 2,000 دولار إضافية كمصاريف “ضيافة وهدايا”،
– ومكافأة خيالية تبلغ 87 ألف دولار عن “إنجازات” عام 2024،
ما يجعل الكلفة الشهرية الإجمالية تفوق 25 ألف دولار فريش شهريًا!
كل ذلك في مصرف لا يمنح – وفق المعطيات المتوفرة – أكثر من 20 قرضًا سكنيًا في السنة.
إنها أرقام لا تحتاج إلى تحليل اقتصادي بقدر ما تحتاج إلى ضمير حيّ. فهل تحوّل المصرف الذي وُجد ليؤمّن حق اللبنانيين في السكن، إلى منصّة لتعظيم أرباح النخبة الإدارية؟
*قروض للفقراء… أم للنخبة؟*
فضيحة الرواتب ليست سوى رأس جبل الجليد. فالمصرف الذي يُفترض أن يدعم ذوي الدخل المحدود، يقدّم اليوم قروضًا تتطلب أقساطًا شهرية تفوق قدرة الغالبية الساحقة من المواطنين، تصل أحيانًا إلى 2500 دولار شهريًا.
وكمثال على ذلك، فإن قرضًا بقيمة 50 ألف دولار، يترتب عليه:
– فوائد إجمالية تصل إلى 36 ألف دولار،
– يُضاف إليها كلفة التأمين، والعمولات، والمصاريف الإدارية.
أما القرض بقيمة 100 ألف دولار، فتبلغ:
– الفوائد وحدها 72 ألف دولار،
– دون احتساب كلفة التأمين والرسوم الأخرى التي تُثقل الكاهل أكثر فأكثر.
والأخطر من كل ذلك: أن المصرف ومجلس إدارته يحتفظ لنفسه ويملك وحده بصلاحية تعديل نسبة الفائدة ساعة يشاء، وبشكل أحادي، ما يجعل المواطن تحت رحمة تقلبات مزاج الإدارة وقراراتها غير الشفافة. فكيف يمكن لمواطن متوسط الدخل أن يخطط لسداد قرض طويل الأجل، إذا كانت القواعد المالية تُغيَّر من طرف واحد، دون أي ضوابط قانونية واضحة أو حماية للمقترض؟
فهل هذه أرقام تناسب دخل المواطن اللبناني؟
في بلد لا يتجاوز فيه راتب الوزير أو النائب 1200 دولار فريش، من هو اللبناني الذي يتقاضى 4000 أو 5000 دولار شهريًا ليستحق هذا القرض؟
*أليس من الأجدى أن يُسمّى “مصرف استثمار النخبة” لا “مصرف إسكان”؟*
*فوضى في الإدارة… وغياب للرقابة*
الأخطر من الأرقام هو السكوت المريب الذي يحيط بهذه السياسات. فالقرارات تُتخذ بمعزل عن الشفافية والرقابة، رغم امتلاك الدولة حصة 20% من المصرف، فيما 80% تعود للمصارف الخاصة التي لطالما استفادت من هذا الكيان لتبرير التزاماتها الاجتماعية.
*أين رقابة الدولة؟ من يراجع القرارات؟ من يضبط الإيقاع؟*
*هل نحن أمام مصرف عام، أم شركة خاصة تُدار وفق مصالح ضيقة؟*
*“إنجازات” بلا معايير… ومكافآت بلا مبرر*
تتحدّث الإدارة عن “إنجازات” استوجبت مكافآت ضخمة. لكن، ما هي هذه الإنجازات؟
هل تُقاس بزيادة عدد القروض؟ بتسهيل شروطها؟ بتوسيع قاعدة المستفيدين؟ أم بزيادة الأعباء على المقترض؟
في ظل انعدام الشفافية، لا يعرف المواطن من يستفيد من هذه القروض، ولا على أي أساس، ولا كيف تُحتسب الفوائد أو تتغير دون رقيب، وكأن المصرف بات يتحكّم بمصير السكن في البلاد مزاجيًا.
*أين الشفافية؟ أين العدالة؟*
المسألة لا تتعلق فقط براتب مدير أو مكافأة موظف. القضية أعمق. إنها غيابٌ تام للعدالة في مصرف يُفترض أن يكون ملاذًا للفقراء وذوي الدخل المحدود.
كيف يمكن أن يُمنح قرض سكني لمن لا يحتاجه، ويُمنع عمّن ينامون في بيوت مهددة بالإخلاء أو تحت خط الفقر؟
هل الهدف من مصرف الإسكان هو تمكين المواطنين من امتلاك منزل، أم تكريس انقسام طبقي سكني جديد؟
*نداء إلى كل صاحب مسؤولية*
ما يحصل في مصرف الإسكان لم يعد تفصيلاً إداريًا. إنه قضية رأي عام تمسّ أحد أبرز حقوق الإنسان: السكن.
*إننا نطالب بـ:*
– فتح تحقيق فوري وشفاف في القرارات المالية والإدارية،
– مراجعة شاملة لآلية احتساب الفوائد والرسوم،
– نشر معايير منح القروض وعدد المستفيدين وتوزيعهم الاجتماعي،
– إقالة كل من تستر أو استفاد أو شرعن هذا الانفلات،
– وإعادة هيكلة المصرف بما يعيد دوره الحقيقي كأداة دعم اجتماعي.
لبنان لا يحتاج لمصارف تبيع الوهم للفقراء وتمنح الفرص للأقوياء،
بل إلى مصرف يعيد الكرامة، والثقة، والسقف الآمن للمواطن اللبناني…
قبل أن يُصبح “السكن الكريم” مجرد حلم مستحيل.





